كاتب بريطاني يهودي: سوريا مفتاح التحول الإقليمي وإنهاء عقود من الصراع

لندن – رأى الكاتب والمؤرخ والمحلل السياسي البريطاني الفرنسي أوريل توبليم (Aurele Tobelem)، في مقال نشرته مجلة «كويلت» (Quillette)، أن سوريا قد تكون الحلقة الأهم في التحول الإقليمي وإنهاء عقود من الصراع العربي–الإسرائيلي، مشيراً إلى أن تحقيق السلام مع دمشق قد يمثل الاختراق الحاسم في مسار إعادة تشكيل المنطقة.
وقال توبليم في مقاله، المنشور في 15 سبتمبر/أيلول 2026، إن سوريا الجديدة تشهد تحولاً مهماً منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، معتبراً أن البلاد أصبحت أقرب من أي وقت مضى إلى بناء دولة مستقلة قادرة على تحديد علاقاتها الإقليمية والدولية بنفسها.
وأضاف أن الرئيس السوري أحمد الشرع تحرك بشكل حاسم ضد ما تبقى من البنية التابعة لإيران، مشيراً إلى تعطيل شبكات التهريب المستخدمة من قبل «حزب الله» وعدد من الجماعات المسلحة العراقية المرتبطة بطهران، فضلاً عن توقيف عناصر مرتبطة بجبهة البوليساريو كانت قد وصلت إلى سوريا عبر شبكات مرتبطة بإيران.
وأشار الكاتب إلى أن تحولاً أيديولوجياً يجري في سوريا باتجاه ما وصفه بـ«نوع مختلف من القومية السورية»، يقوم على الحكم الإسلامي، مع السعي إلى جعل الأجهزة الأمنية أكثر ارتباطاً بالمجتمع وتعميق العلاقات المتعددة الأطراف.
واستشهد توبليم بتعاون الحكومة السورية مع جو جاجاتي (Joe Jajati)، وهو سوري أميركي يهودي، بهدف الحفاظ على المجتمع اليهودي السوري القديم والاحتفاء بتراثه، معتبراً ذلك مثالاً على التحولات التي تشهدها سوريا الجديدة.
وشدد الكاتب على أن هذه التحولات خلقت بيئة أصبح فيها الانخراط مع إسرائيل، رغم تعقيداته، ممكناً، مشيراً إلى أن السوريين والإسرائيليين يشتركون، من وجهة نظره، في مصالح تتعلق بالاستقرار وإنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، أكد توبليم أن إسرائيل لديها أسباب تدعوها إلى الحذر تجاه أحمد الشرع، مستشهداً بماضيه في قيادة جبهة النصرة، لكنه أشار إلى أن الشرع يظهر حالياً بصورة أكثر براغماتية، وأن موقف دمشق يقوم على الحفاظ على السيادة السورية.
وقال الكاتب إن العقبة الرئيسية أمام السلام السوري–الإسرائيلي، في تقديره، ليست سوريا ولا إسرائيل، وإنما طموحات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لتوسيع نفوذ تركيا داخل سوريا.
وأوضح أن تركيا أصبحت منذ سقوط الأسد الشريك العسكري الرئيسي لسوريا، وهو ما يثير مخاوف إسرائيل، لكنه شدد في المقابل على أن أحمد الشرع لديه حساباته الخاصة، وأنه لا يريد أن يصبح تابعاً لإردوغان.
وأكد توبليم أن «سوريا مستقلة» أصبحت، بعد عقود من الديكتاتورية والتدخل الخارجي، أقرب إلى التحقق من أي وقت مضى، مضيفاً أن الشرع لا يريد التنازل عن أي جزء من الأراضي السورية لإسرائيل.
وأشار إلى أن مواقف الرئيس السوري العلنية تظهر استعداداً للوصول إلى تفاهم مع إسرائيل، بشرط احترام السيادة السورية والمطالبة السورية بالجولان، معتبراً أن الشرع «قد يكون أكثر القادة السوريين براغماتية» الذين واجهتهم إسرائيل.
كما تناول الكاتب الوضع في محافظة السويداء، منتقداً مواقف الشيخ حكمت الهجري والفصائل المسلحة المرتبطة به، ولا سيما بعد وصف الهجري الدروز بأنهم «جزء لا ينفصل عن دولة إسرائيل».
وقال إن استمرار هذه المواقف والصدامات يهدد بإطالة حالة عدم الاستقرار في الجنوب السوري، معتبراً أن الهجري لا يمكن أن يمثل مكسباً استراتيجياً لإسرائيل، لأن استمرار الصراع في مناطق الدروز يكرس حالة عدم الاستقرار التي دفعت إسرائيل إلى نشر قواتها في جنوب سوريا.
ودعا توبليم إلى صيغة أمنية جديدة تقوم على احترام السيادة السورية، وإنهاء الضربات الإسرائيلية غير المنسقة ودعم الفصائل المسلحة، إلى جانب انسحاب إسرائيلي مرحلي من الأراضي السورية التي سيطرت عليها إسرائيل منذ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
واقترح أن تتم عملية الانسحاب ضمن ترتيبات أمنية مرحلية، مع وجود منطقة عازلة مؤقتة، على أن تتزامن مراحل الانسحاب مع خطوات سورية قابلة للقياس، من بينها القضاء على وجود المقاتلين الأجانب ونشر قوات سورية حدودية مدققة.
كما دعا إلى ضمانات للدروز تشمل الحريات الدينية والمدنية والتمثيل المؤسسي، مع دمج التشكيلات الدرزية تدريجياً في القوات المسلحة السورية، مشيراً إلى إمكانية الاستفادة من نموذج دمج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» في الجيش السوري.
وشدد الكاتب على أن سوريا لا تستطيع استعادة سيادتها الكاملة ما لم تتمكن من تأمين حدودها بنفسها، في حين لا تستطيع إسرائيل الاستمرار إلى الأبد في تولي مسؤولية أمن جنوب سوريا، معتبراً أن الانسحاب الإسرائيلي والاستقرار السوري يجب أن يكونا جزءاً من تسوية واحدة.
وفي ختام مقاله، دعا توبليم إسرائيل إلى منح أحمد الشرع فرصة للانضمام إلى ما وصفه بالنظام الإقليمي الجديد القائم على تجاوز الأيديولوجيات التي حكمت المنطقة خلال القرن العشرين.
واعتبر أن الحفاظ على سياسة عدم المواجهة مع إسرائيل من جانب الشرع يجب أن يقابله استعداد إسرائيلي للتعامل مع سوريا الجديدة، مؤكداً أن سوريا يمكن أن تلعب دوراً محورياً في إنهاء الصراع العربي–الإسرائيلي، واستبدال عقود من العنف بمستقبل يقوم على الاستقرار والتعاون.
ويخلص المقال إلى أن سوريا الجديدة، في ظل قيادة أحمد الشرع، تمتلك فرصة تاريخية لتعزيز استقلالها وسيادتها وإعادة بناء علاقاتها الإقليمية والدولية، وأن مستقبل المنطقة قد يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة سوريا على استعادة الاستقرار وتثبيت سيادتها ودورها الإقليمي.
