قراءة في تجربة الفنانة عناية البخاري: جدلية اللون والشكل

تقدم الفنانة التشكيلية السورية عناية البخاري رؤية فنية متجددة في لوحتها الأخيرة، حيث تتناول جدلية الشكل واللون عبر تداخل هيئات تستحضر الأواني والقوارير، متقاطعة مع خطوط بيضاء حرة في مسارات متباينة فوق خلفية حمراء تهيمن على المشهد البصري. يندرج هذا العمل ضمن مسار الفنانة الذي يجمع بين التجريد الغنائي والتجريد الهندسي، ويأتي في إطار اهتمامها بتحويل المألوف اليومي إلى مساحات إيقاعية وحركية تجمع بين العفوية والدقة التنظيمية.
تستحضر البخاري في لوحتها أشياء من الحياة اليومية كالأواني، إلا أنها لا تظهر بصورتها الواقعية المباشرة، بل تختزلها إلى كتل مبسطة تتفاوت في الارتفاع والحجم، وتتداخل حدودها لتغدو أجزاءً من بناء واحد. وتتنوع الهيئات بين القوارير الطويلة والقصيرة والفتحات الدائرية والحواف الملونة، حيث تتجاور الكتل البرتقالية والصفراء والزرقاء الداكنة، متجاوزة محاكاة شكل الإناء لتتحول انحناءاته وأحجامه إلى عناصر في إيقاع اللوحة.
على صعيد التكوين البصري، تهيمن درجات الأحمر على الخلفية، ما يخلق تبايناً مع الألوان الأصفر والبرتقالي في الأشكال الأمامية، بينما تضفي الكتل الزرقاء الداكنة عمقاً وتحدد حدود العناصر. وتلعب الخطوط البيضاء دوراً محورياً في تحريك التكوين، إذ لا تكتفي بتحديد الأشكال، بل تمر فوقها وبينها في مسارات منحنية تقود عين المشاهد وتكسر جمود التكوين، مولدةً حركة تتفاعل مع الكتل الأكثر ثباتاً.
وحول رؤيتها الفنية، أشارت البخاري في تصريحات سابقة إلى أن انجذابها للأشكال الهندسية ينبع من حضورها في عمارة الكون والأرض، مؤكدة سعيها لتقديم رؤية تشكيلية خاصة لهذه التشكيلات التي تكتسب أهميتها من موقعها وعلاقتها ببقية العناصر داخل اللوحة. وقد أشار الناقد علي الراعي إلى أن أعمال البخاري تستكشف بدقة العلاقات بين اللون والشكل والإيقاع، متأرجحةً ببراعة بين الحس العفوي والانضباط البنائي.
تُعد عناية البخاري، المولودة في دمشق عام 1960، من الفنانات السوريات اللواتي أثرين المشهد التشكيلي بتجارب متنوعة تمتد لأكثر من 37 عاماً. وقد تنوعت أدواتها الفنية بين الحفر على المرايا، المائيات، الألوان الزيتية، الأكريليك، وطباعة الشاشة الحريرية. ويشيد فنانون سوريون، مثل محمود الجوابرة، بتمكنها التقني، خاصة في طباعة الشاشة الحريرية التي حولتها من جانب مهني إلى وسيلة فنية تعبيرية تتطلب صبراً وأناةً. وعبر مسيرتها المهنية، أقامت البخاري 13 معرضاً فردياً داخل سوريا، وشاركت في العديد من المحافل الفنية الدولية في إسبانيا وتونس وفيينا، وتتواجد أعمالها اليوم ضمن مقتنيات متاحف في قطر وفرنسا والولايات المتحدة واليونان، مما يعكس البعد الدولي لتجربتها التشكيلية.
