كتاب بناء الأنا.. قراءة في التحولات الفلسفية لمفهوم الذات

صدر حديثاً عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، كتاب “بناء الأنا.. من العصور القديمة إلى العصر الحديث” للباحثة وأستاذة الفلسفة التركية أوزدن أوزكايا دميرخان، وبترجمة أحمد الإبراهيم. يقع الكتاب في 280 صفحة، ويقدم دراسة فلسفية معمقة حول تطور مفهوم الذات والأنا وكيفية تشكل وعي الإنسان بنفسه عبر التاريخ.
يتناول الكتاب في فصوله الثلاثة مساراً فكرياً متصلاً يبدأ من الفكر اليوناني القديم، حيث يحلل الكتاب دلالات الروح والنفس في نصوص هوميروس، ثم ينتقل إلى التطور النوعي الذي أحدثه سقراط بنقل محور الفلسفة من ماهية الروح إلى ضرورة معرفة النفس كسبيل للحكمة والفضيلة. كما يستعرض الكتاب تصور أرسطو للروح بوصفها مبدأ الحياة وصورة الجسد، وصولاً إلى الفلسفة الأوغسطينية التي جعلت من “العودة إلى الداخل” ركيزة أساسية في البحث عن الحقيقة، حيث يتقاطع العقل مع الإيمان في رحلة الإنسان نحو ذاته.
ويشكل الفيلسوف رينيه ديكارت المحطة الأبرز في هذا العمل، حيث تضيء المؤلفة كيف أعاد ديكارت صياغة مفهوم الأنا لتصبح نقطة البدء في المعرفة اليقينية، مبتعداً عن المفاهيم التقليدية ليؤسس لـ “الأنا المفكرة”. يوضح الكتاب أن الفلسفة لم تتعامل مع هذه التصورات بوصفها آراءً منعزلة، بل كمسار تصاعدي يعكس تحول سؤال الإنسان عن جوهره من البحث في مبدأ الحياة إلى جعل الذات أساساً للمعرفة والتفكير.
تكمن أهمية الكتاب في قدرته على رسم خريطة واضحة لتحولات هذا المفهوم الفلسفي، بعيداً عن السرد التاريخي التقليدي، مما يجعله مرجعاً هاماً لطلاب الفلسفة والمهتمين بالعلوم الإنسانية وتاريخ الأفكار. وتؤكد الدراسة أن مفهوم الأنا ليس ثابتاً، بل هو نتاج إعادة صياغة مستمرة عبر الفلسفة، مما يفتح أفقاً للتساؤل المعاصر حول كيفية تشكل صورة الإنسان عن نفسه في عالم متسارع.
يُذكر أن مؤلفة الكتاب، أوزدن أوزكايا دميرخان، هي أستاذة مساعدة في قسم الفلسفة بجامعة ابن خلدون في إسطنبول، وهي متخصصة في فلسفة العصور الوسطى ونظرية المعرفة، ولها إسهامات بحثية واسعة في قضايا اللغة والفلسفة النسقية.
