فيلم “الباص الأخضر” يوثق ذاكرة التهجير القسري في دمشق

فيلم “الباص الأخضر” يوثق ذاكرة التهجير القسري في دمشق

استضافت دار الأوبرا في العاصمة السورية دمشق عرضاً خاصاً لفيلم “الباص الأخضر.. حكايا التهجير القسري”، للمخرج فادي بعاج، في فعالية نظمتها وزارة الثقافة لاستعادة جانب من الذاكرة السورية التي تشكلت خلال سنوات الأزمة. يقدم الفيلم معالجة وثائقية تستند إلى شهادات مباشرة وصور تعبيرية تعيد بناء تفاصيل الرحلة القسرية التي عاشها سوريون من مناطق شملت حمص، وحوران، وحلب، والغوطة الشرقية.

يسلط العمل الضوء على تجارب أربع شخصيات سورية، حيث يضع الإنسان في مركز الحكاية مبتعداً عن لغة الأرقام والإحصاءات، ليحول التجربة الفردية إلى خيط سردي يربط مراحل متعاقبة من التهجير. وقد استعان المخرج بلغة بصرية ذات منحى تعبيري، عبر إعادة بناء مشاهد وتفاصيل تستحضر ذكريات المشاركين، مما يمنح العمل بعداً درامياً يعزز من قيمته كوثيقة سينمائية.

وفي تصريح لوسائل الإعلام، أوضح المخرج فادي بعاج أن الفيلم أُنجز على مرحلتين، حيث تم تصوير الجزء الأول قبل عمليات التحرير، بينما تم استكمال الجزء المتعلق بضيوف الفيلم لاحقاً. وأكد بعاج أن اختيار توقيت العرض في دار الأوبرا يحمل دلالة رمزية هامة، لا سيما بالنسبة للمشاركين الذين لم يتوقعوا أن يصل عملهم التوثيقي إلى هذا المستوى من العرض العام. وأشار إلى أن رسالة الفيلم تكمن في أهمية توثيق المراحل المؤلمة، لافتاً إلى أن “الباص الأخضر” لم يكن مجرد وسيلة نقل، بل تحول في الذاكرة السورية إلى رمز لعمليات الإجلاء والتهجير القسري التي فرضت على مناطق محاصرة، بدءاً من حمص القديمة عام 2014، وصولاً إلى مناطق أخرى في ريف دمشق وحلب ودرعا.

من الناحية الفنية، يتبنى الفيلم رؤية تتجاوز كون التهجير حدثاً عابراً ينتهي بانتهاء الرحلة، ليتوغل في التبعات النفسية والاجتماعية لهذه العملية، ويستعرض العلاقة الوجدانية التي تربط المهجّر بمكانه الأصلي. وتتداخل في الفيلم حكايات الأشخاص مع ذاكرة المدن والأحياء، لتتحول الشهادة الفردية إلى جزء من الذاكرة الجماعية التي تسعى السينما للحفاظ عليها للأجيال القادمة.

ويكتسب عرض الفيلم في دار الأوبرا بعداً إضافياً من حيث كونه انتقالاً لحكاية ارتبطت لسنوات بمناطق محاصرة إلى فضاء ثقافي عام، مما يتيح للجمهور فرصة الاطلاع على تجربة وثائقية تعاملت مع الذاكرة كمادة فنية وإنسانية. ويسعى العمل في ختامه إلى ترسيخ دور السينما في مساءلة الماضي، واستعادة أصوات من مروا بتجربة الاقتلاع من المكان، ليبقى الفن وسيلة لحفظ الرواية والتجربة الإنسانية من النسيان.