الصحة النفسية في سوريا.. التحديات والخدمات المتاحة

تواجه الصحة النفسية في سوريا تحديات كبيرة نتيجة تراكم آثار الحرب والضغوط المعيشية، مما دفع السلطات الصحية إلى تعزيز خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للتعامل مع الاضطرابات الأكثر شيوعاً كالقلق والاكتئاب واضطرابات النوم.
وفي إطار الجهود الوطنية لتقديم الرعاية، كشفت إدارة الصحة النفسية في وزارة الصحة أن القلق والاكتئاب يتصدران قائمة الاضطرابات التي يراجع المرضى بسببها مراكز الرعاية الصحية. وتدير الوزارة حالياً شبكة واسعة تضم نحو 764 مركزاً للرعاية الصحية الأولية تقدم خدمات الدعم النفسي، إضافة إلى ثلاثة مشافٍ متخصصة هي: ابن خلدون في حلب، وابن سينا وابن رشد في دمشق، مع خطط جارية لتوسيع هذه التغطية عبر تجهيز أربعة مشافٍ إضافية.
من جانبها، أوضحت الاختصاصية النفسية زينة فنري أن الحالات التي يتم رصدها تشمل أيضاً اضطرابات الشخصية الحدية، والوسواس القهري، ونوبات الهلع، واضطرابات ما بعد الصدمة، لافتةً إلى أن آثار الحرب قد تظهر على الأشخاص بعد سنوات طويلة، حينما يبدأون في التعبير عن صدماتهم التي تراكمت بفعل تجارب النزوح وفقدان الأمان. وأكدت فنري أن التمييز بين الاستجابة الطبيعية للضغوط والحالة المرضية يعد أمراً حاسماً، داعيةً إلى طلب المساعدة المتخصصة عند تأثير الأعراض على القدرة على النوم أو العمل أو ممارسة الحياة اليومية بشكل طبيعي.
وفيما يتعلق بالدعم المقدم للمتضررين، تعمل إدارة الصحة النفسية بالتعاون مع منظمة «ميدغلوبال» على تشغيل مركز متخصص في حمص يعنى بتقديم خدمات نفسية واجتماعية للناجين من الاعتقال، تشمل جلسات فردية وجماعية تهدف إلى إعادة الاندماج في المجتمع، مع وجود خطط طموحة لتعميم هذه التجربة في مناطق أخرى.
كما حذرت الأوساط الطبية والاختصاصية من الاستخدام العشوائي للمهدئات دون إشراف طبي، لما قد تؤديه من اعتماد دوائي أو تفاقم في الجذور المسببة للأعراض. وفي سياق متصل، شددت الاختصاصية وفاء غيبة على أهمية مراقبة سلوكيات الأطفال والمراهقين التي قد تعكس ضغوطاً نفسية، داعيةً الأسر إلى تبني لغة الحوار وتجنب الوصمة، مع التأكيد على أن الأسرة تمثل بيئة داعمة ولكنها لا تغني عن التدخل المتخصص.
وأشار تقرير لمنظمة الصحة العالمية صدر في يوليو 2025 إلى اتساع نطاق الحاجة للخدمات النفسية في سوريا، حيث تشير التقديرات إلى أن واحداً من كل 10 أشخاص يعاني من حالة نفسية خفيفة إلى متوسطة، بينما يعاني واحد من كل 30 من حالات أشد. وقد سجلت مراكز الرعاية ارتفاعاً ملحوظاً في مراجعات الاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة خلال الفترة ما بين 2022 و2023، مع بقاء معدلات الطلب على العلاج النفسي أعلى من مستويات ما قبل زلزال فبراير 2023، مما يضع الصحة النفسية في مقدمة أولويات النظام الصحي السوري في المرحلة الراهنة.
