التوغلات الإسرائيلية في سوريا.. الأمن في قلب السجال الانتخابي

التوغلات الإسرائيلية في سوريا.. الأمن في قلب السجال الانتخابي

شهدت الأراضي السورية منذ الثامن من كانون الأول 2024 تصاعداً لافتاً في التوغلات العسكرية الإسرائيلية، وهي عمليات لم تعد تقتصر على تداعياتها الميدانية وانتهاكها للقوانين الدولية، بل تحولت إلى محور رئيسي في السجال السياسي الداخلي الإسرائيلي. وتأتي هذه التطورات في ظل اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، حيث يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو انتقادات حادة من المعارضة التي تتهمه بتوظيف الملفات الأمنية والقرارات العسكرية لخدمة طموحاته السياسية.

وتحاول حكومة نتنياهو تقديم هذه التحركات العسكرية تحت ذريعة حماية أمن إسرائيل وإقامة مناطق عازلة لإبعاد التهديدات عن الحدود. وقد أعلن نتنياهو في وقت سابق عن استراتيجية تهدف إلى تحقيق ما وصفه بـ”السيطرة المطلقة” على مناطق تمتد من جبل الشيخ وصولاً إلى نهر اليرموك والبحر المتوسط. ومن جانبه، أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن القوات لن تنسحب من “المنطقة الأمنية” التي تسيطر عليها داخل الأراضي السورية، مما يشير إلى توجه لتثبيت الوجود العسكري الدائم بدلاً من الإجراءات المؤقتة.

في المقابل، تتسع فجوة الخلاف داخل إسرائيل، حيث يتهم زعماء المعارضة، وعلى رأسهم يائير غولان ويائير لابيد، نتنياهو باستغلال الجيش لتحقيق غايات شخصية، محذرين من أن هذا السلوك يعرض أمن إسرائيل لمخاطر حقيقية. ويرى آيزنكوت ولابيد أن الوثيقة الأمنية الجديدة التي طرحها نتنياهو، والتي تتضمن تنفيذ ضربات استباقية، لا تعدو كونها شعارات تفتقر إلى استراتيجية واضحة، وتهدف في جوهرها إلى صرف الأنظار عن إخفاقات الحكومة الأمنية.

على الصعيد الميداني، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان وقوع أكثر من 453 توغلاً برياً إسرائيلياً بين كانون الأول 2024 وتشرين الأول 2026، مما أسفر عن سقوط ضحايا وعمليات اعتقال تعسفي واعتداءات على منشآت حيوية، تركزت بشكل أكبر في محافظتي القنيطرة ودرعا. كما سجلت الأمم المتحدة أرقاماً قياسية للانتهاكات خلال شهر أيلول الماضي، شملت تقييد حركة السكان ومداهمة المنازل.

وقد أثارت هذه الممارسات إدانات دولية واسعة، حيث حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من مساعي إسرائيل لإثارة الفوضى، في حين أدانت عدة دول عربية وإسلامية هذه الاعتداءات معتبرة إياها انتهاكاً صارخاً لسيادة سوريا وتهديداً للاستقرار الإقليمي. من جهتها، أكدت دمشق استعدادها التام لمعالجة القضايا العالقة والملفات الأمنية عبر الحوار والوسائل الدبلوماسية، بما يضمن استقرار المنطقة ويحفظ سيادة الدولة السورية ووحدة أراضيها، رافضةً محاولات فرض وقائع عسكرية على الأرض.

وتظل هذه التوغلات تشكل تحدياً لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974، حيث ترى دمشق أن الالتزام بالتفاهمات الدولية ووقف الانتهاكات هو السبيل الوحيد لإنهاء حالة التصعيد، في وقت تتقاذف فيه التيارات السياسية الإسرائيلية الاتهامات حول التوقيت والهدف من هذه العمليات التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من السباق الانتخابي المحموم.