شراكة استراتيجية بين سوريا والسعودية لتعزيز التعافي وإعادة الإعمار

دخلت العلاقات السورية السعودية منذ الثامن من كانون الأول 2024 مساراً متسارعاً نحو بناء شراكة استراتيجية شاملة، تتجاوز الدعم السياسي التقليدي لتشمل ملفات التعافي الاقتصادي، وإعادة الإعمار، وتنشيط الاستثمار في قطاعات البنية التحتية والطاقة والاتصالات. وتأتي هذه التوجهات انعكاساً لرؤية مشتركة تهدف إلى تحويل العلاقات الأخوية بين دمشق والرياض إلى مصالح اقتصادية وتنموية مستدامة.
وقد شكلت الزيارة الخارجية الأولى للرئيس السوري أحمد الشرع إلى المملكة العربية السعودية في شباط 2025 محطة مفصلية في هذا المسار، حيث التقى بولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان. وأكد الرئيس الشرع أن هذا اللقاء يؤسس لعلاقة استراتيجية تساهم في بناء البلدين وتوطيد التعاون على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية والخدمية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، اقترن الدعم السياسي بخطوات عملية، كان أبرزها إعلان السعودية وقطر في نيسان 2025 عن سداد متأخرات سوريا لدى البنك الدولي، مما أتاح استئناف أنشطة البنك بعد توقف دام 14 عاماً، ومهد الطريق لبرامج ومنح لدعم بناء المؤسسات. كما برز الدور السعودي في التنسيق مع واشنطن لرفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، تأكيداً على دعم المملكة لنهضتها الاقتصادية.
وتجسد هذا التعاون في “المنتدى الاستثماري السوري السعودي” الذي عقد في دمشق في تموز 2025، حيث تم توقيع 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة تجاوزت 6 مليارات دولار، شملت قطاعات حيوية كالسياحة والصناعة والطاقة والعقارات، مع توقعات بتوفير آلاف فرص العمل. وتعزز هذا الإطار القانوني في آب 2025 بتوقيع اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار، وافتتاح وزارة الاستثمار السعودية مكتباً لها في دمشق.
وفي قطاع الطاقة، شهد آب 2025 توقيع اتفاقيات وست مذكرات تفاهم شملت الكهرباء والبترول والغاز، بما في ذلك مشاريع لتوليد الكهرباء والطاقة المتجددة بالتعاون مع شركة “أكوا باور”. وبحلول شباط 2026، توسعت الشراكة لتشمل عقوداً استراتيجية في قطاعات الطيران، والاتصالات -عبر مشروع “سيلك لينك” للبنية الرقمية- والمياه، وتطوير البنية التحتية للمطارات.
ويشير المحللون إلى أن هذه المشاريع تضع سوريا مجدداً على خارطة الربط الإقليمي بين الخليج والعراق والأردن وتركيا، مستفيدة من موقعها الجغرافي. وعلى المستوى السياسي، توالت اللقاءات رفيعة المستوى بين الرئيس السوري وولي العهد السعودي، كان آخرها في الرياض في تشرين الأول 2026، لتثبيت المسار المؤسسي للعلاقة، بما في ذلك تشكيل مجلس الأعمال السوري السعودي.
وتعد هذه المرحلة خطوة جوهرية لتحويل فرص التعافي إلى مشاريع تنموية قابلة للاستمرار، حيث تراهن دمشق على رؤوس الأموال والخبرات السعودية لدفع عجلة إعادة الإعمار، مع وجود تحديات تتعلق ببيئة الأعمال تتطلب معالجة مستمرة لضمان تحقيق العوائد الاقتصادية المرجوة للطرفين.
