في اليوم الدولي للتراث البدوي.. البادية السورية بين الحفظ والتحول

في اليوم الدولي للتراث البدوي.. البادية السورية بين الحفظ والتحول

شكلت البادية السورية على مر العصور جزءاً أصيلاً من فسيفساء التراث الثقافي السوري، حيث تختزن في طياتها معارف عميقة وعادات وقيم توارثتها الأجيال، ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بظروف الحياة في الصحراء ومواسم الرعي ومسارات التنقل بحثاً عن الماء والكلأ. ومع احتفاء منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) للمرة الأولى في 22 أيلول الجاري باليوم الدولي للتراث البدوي، عاد هذا الموروث إلى واجهة الاهتمام كعنصر حيوي يستوجب الصون والتوثيق.

اختيار تاريخ 22 أيلول لم يأتِ من فراغ، بل جاء تزامناً مع فترة الاعتدال الخريفي، وهي مرحلة مفصلية في دورة الفصول تؤثر بشكل مباشر على حياة المجتمعات التي تعتمد في سبل عيشها على الترحال والمواسم الرعوية. وتؤكد اليونسكو أن المجتمعات البدوية الرحل لعبت دوراً تاريخياً في تعزيز التبادل الثقافي ونقل الأفكار والتقاليد بين المجتمعات المختلفة، بالإضافة إلى دورها المحوري في حماية التنوع البيولوجي والتكيف مع تقلبات المناخ عبر معارف تقليدية متوارثة حول الأنظمة البيئية والمياه.

وفي السياق السوري، يرى المختصون أن هذه المناسبة تعد فرصة هامة لإعادة تسليط الضوء على الموروث البدوي السوري. وفي هذا الصدد، أشار حسين الحاكم، المشرف العام على مركز دراسات القبائل العربية، إلى أهمية هذه الخطوة، موضحاً أن البادية السورية شهدت تحولات كبيرة مع توجه العديد من أبنائها نحو الاستقرار في المدن والأرياف. وأكد الحاكم أن هذا التحول لم يمحُ هوية البادية، حيث لا يزال أبناؤها يتمسكون بقيم أصيلة كإكرام الضيف، وحق الجوار، وإغاثة الملهوف، بالإضافة إلى الإرث الشعري الغني. ودعا الحاكم إلى ضرورة تأسيس جمعية متخصصة تُعنى بصون هذا التراث، وتوفير مساحة أكبر لشعراء البادية للمشاركة في الفعاليات الثقافية الوطنية.

وعلى صعيد التوثيق والحفاظ، تشير الدراسات الميدانية التي أجراها باحثون سوريون ودوليون إلى أن انتقال المجتمعات البدوية إلى نمط الاستقرار أدى إلى تغير في بعض الممارسات اليومية، لكنه حافظ على استمرارية القيم الجوهرية والحرف اليدوية. وتلعب مديرية التراث اللامادي في وزارة الثقافة السورية دوراً مستمراً في رصد وتوثيق عناصر التراث البدوي، من شعر نبطي، وحرف يدوية مرتبطة بنسج البسط والمنسوجات، ومعارف بيئية متوارثة، بهدف تعريف الأجيال الجديدة بهذا التراث وضمان نقله بأمانة.

إن توثيق هذه المعارف والحرف، التي تنقل مهارات التعامل مع مواد البيئة المحلية، لا يمثل فقط حفظاً للذاكرة الشفوية، بل هو تأكيد على الهوية الثقافية السورية وتنوعها، مما يجعل من الاحتفاء باليوم الدولي للتراث البدوي محطة هامة لتقدير الدور الذي لعبه سكان البادية في تشكيل التاريخ السوري المعاصر.