الصحة النفسية في سوريا: كيف تعيق الوصمة الاجتماعية طلب الرعاية؟

تواجه ثقافة طلب الرعاية النفسية في سوريا تحديات مركبة، حيث لا تزال نظرة المجتمع والمخاوف من الوصمة يشكلان حاجزاً رئيسياً يمنع الكثيرين من اللجوء إلى المتخصصين في الوقت المناسب. وعلى الرغم من التطور في المفاهيم الطبية، إلا أن فكرة ربط زيارة الطبيب النفسي بالضعف أو الخجل ما زالت حاضرة في الأوساط الاجتماعية، وهو ما يعيق جهود التشخيص والعلاج المبكر.
وفي هذا السياق، يوضح الاستشاري الأول في الطب النفسي، الدكتور مأمون مبيّض، أن بعض المجتمعات، بما فيها النسيج المحلي في سوريا، لا تزال تربط زيارة الطبيب النفسي بالخجل، مشيراً إلى أن هذا التوجه يتنافى مع التراث الطبي العربي والإسلامي الذي أولى اهتماماً مبكراً بالعناية المتكاملة بالجسد والنفس، مستشهداً بكتاب “مصالح الأبدان والأنفس” للطبيب أبي زيد البلخي كنموذج تاريخي للوعي المبكر بهذا المجال.
وتشير المعطيات الطبية إلى أن تأخير طلب المساعدة غالباً ما يؤدي إلى مسارات علاجية أكثر تعقيداً. وتبرز حالة الوسواس القهري كنموذج توضيحي، حيث يؤكد المختصون أن طول فترة بقاء المرض دون علاج يرتبط بمسار أكثر صعوبة ونتائج علاجية أقل استجابة، إذ تتراكم اضطرابات مصاحبة مثل الرهاب الاجتماعي ونوبات الهلع مع مرور الوقت.
من الناحية التشخيصية، يشدد المختصون على التمييز بين الضغوط الحياتية الطبيعية والاضطرابات التي تستوجب تدخلاً طبياً. فالقلق والحزن المرتبطان بضغوط العمل أو الأزمات المادية أو تجارب الفقد لا يعنيان بالضرورة وجود اضطراب نفسي، إلا أن استمرار هذه المشاعر وتكرارها، وتأثيرها المباشر على الأداء في العمل والدراسة والعلاقات الاجتماعية، يستدعي إجراء تقييم متخصص.
وتشمل المؤشرات التي تستوجب زيارة الطبيب اضطرابات النوم والشهية، والعزلة، والتقلبات المزاجية الحادة، وتكرار الأفكار القهرية التي تعطل النشاط اليومي. ويؤكد الطب النفسي أن هذه الحالات ليست ناتجة عن ضعف في الإرادة، بل هي تفاعل معقد لعوامل بيولوجية ونفسية وبيئية.
وفي حالات محددة، تصبح الاستشارة ضرورة لا تقبل التأجيل، خاصة عند ملاحظة علامات الانفصال عن الواقع، أو سماع أصوات، أو ظهور أوهام غير واقعية، وبشكل أكثر إلحاحاً عند وجود أفكار تراود الشخص لإيذاء النفس أو الآخرين، حيث يتطلب الأمر في هذه الحالات تدخلاً طبياً طارئاً.
ومع تطور أدوات العلاج، تبرز التقنيات الحديثة مثل الاستشارات النفسية عن بعد عبر مكالمات الفيديو كفرصة إضافية لتقديم الدعم، رغم تأكيد المختصين أنها لا تغني بشكل كلي عن المقابلة المباشرة في الحالات التي تستدعي فحصاً سريرياً دقيقاً. وتظل المواجهة المجتمعية للوصمة، ونشر الوعي الصحي، الخطوة الأكثر تأثيراً في تمكين الأفراد من طلب الرعاية المتخصصة في وقت مبكر، لضمان استقرار حالتهم وتجنب التبعات طويلة الأمد الناتجة عن الإهمال أو الخوف من الأحكام المسبقة.
