مصدر مطلع لسيريا فوكس: تكليف أميركي لإقليم كردستان بتفكيك ما تبقى من «قسد» وإخراج عناصر قنديل

مصدر مطلع لسيريا فوكس: تكليف أميركي لإقليم كردستان بتفكيك ما تبقى من «قسد» وإخراج عناصر قنديل

واشنطن – جورج حداد | خاص سيريا فوكس

كشف مصدر مطلع لـ«سيريا فوكس» أن الإدارة الأميركية أبلغت قيادة إقليم كردستان العراق بضرورة المضي في مسار تفكيك ما تبقى من البنية العسكرية والتنظيمية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وإنهاء أي ترتيبات قد تسمح باستمرارها كقوة عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة السورية.

وبحسب المصدر، فإن التوجيه الأميركي يتضمن أيضاً العمل على نقل العناصر الرافضة للانخراط في الترتيبات الجديدة إلى إقليم كردستان العراق، في إطار معالجة انتقالية للمرحلة المقبلة، فيما يجري تأمين ممرات آمنة للعناصر غير السورية أو القادمين أصلاً من مناطق جبال قنديل، بما يسمح بعودتهم إلى مقراتهم ومناطق وجودهم الأصلية.

ويقول المصدر إن الرسالة الأميركية إلى قيادة الإقليم لم تعد تقتصر على الوساطة بين دمشق و«قسد»، وإنما باتت تتعلق بدور مباشر لإقليم كردستان في إنهاء البنية العسكرية المستقلة لـ«قسد»، مع الحفاظ على دوره كمرجعية روحية للكرد السوريين، ولكن من دون التزام أميركي بتقديم غطاء سياسي أو عسكري لهم.

رسالة أميركية «شديدة الوضوح» إلى مظلوم عبدي

وبحسب المصدر الذي تحدث إلى «سيريا فوكس»، فإن المسؤولين الأميركيين رفضوا خلال الفترة الماضية أكثر من طلب من قيادة «قسد» لعقد لقاءات إضافية، في مؤشر على تبدل طبيعة العلاقة بين واشنطن وقيادة التنظيم.

ويضيف المصدر أن اللقاء الأخير بين مظلوم عبدي والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توم باراك، والذي جرى برعاية قيادة إقليم كردستان، لم يكن بنّاءً وفق التقييم الأميركي.

وتقول المعلومات التي حصلت عليها «سيريا فوكس» إن عبدي تلقى خلال اللقاء رسالة مباشرة مفادها أن مرحلة المناورة في ملف التفاوض مع دمشق قد انتهت، وأن المطلوب من «قسد» لم يعد فتح مسارات تفاوضية جديدة، وإنما تنفيذ الاتفاقات الموقعة مع الحكومة السورية من دون اعتراض أو تأخير.

وبحسب المصدر، فقد فهم عبدي لهجة المبعوث الأميركي باعتبارها أقرب إلى التحذير أو التهديد منها إلى الخطاب الدبلوماسي التقليدي.

إلا أن باراك، وفق الرواية التي نقلها المصدر، أوضح لقيادة إقليم كردستان أنه لا يملك الوقت الكافي لتقديم خطاب «يرضي الجميع»، وأن المرحلة تتطلب قدراً كبيراً من الوضوح حتى لا تترك واشنطن أمام «مناورة جديدة» من جانب «قسد» في دمشق، تحت ذريعة استمرار الحماية الأميركية.

«لا غطاء أميركياً» في حال فشل التنفيذ

ويؤكد المصدر أن الرسالة الأميركية، بحسب ما نقلته مصادره، كانت واضحة إلى درجة إبلاغ قيادة «قسد» بأن الإدارة الأميركية لن تقدم لها دعماً أمنياً أو وساطة جديدة في حال فشلها في تنفيذ التفاهمات مع دمشق.

والأكثر أهمية، وفق المصدر، أن واشنطن أبلغت قيادة «قسد» بأن أي استخدام للقوة من جانب الدولة السورية نتيجة فشل الاتفاق أو رفض تنفيذه لن يُنظر إليه أميركياً باعتباره مواجهة تستدعي تدخلاً أميركياً، بل باعتباره شأناً سورياً داخلياً.

وإذا صحت هذه المعلومات، فإنها تمثل تحولاً مهماً في طبيعة الدور الأميركي في الملف الكردي السوري؛ إذ تنتقل واشنطن، وفق الرواية، من موقع الضامن السياسي والأمني إلى موقع الدافع باتجاه إنهاء الترتيبات العسكرية المستقلة وإعادة دمجها ضمن مؤسسات الدولة السورية.

من اتفاق 10 مارس 2025 إلى نهاية المرحلة العسكرية

وتكتسب هذه المعلومات أهميتها عند وضعها في سياق سلسلة من الاتفاقات التي بدأت قبل أكثر من عام.

ففي 10 مارس/آذار 2025، وقع الرئيس السوري أحمد الشرع ومظلوم عبدي اتفاقاً نص بصورة صريحة على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن مؤسسات الدولة السورية، بما في ذلك المعابر والمطارات وحقول النفط والغاز، إلى جانب ضمان حقوق السوريين، ومن ضمنها حقوق المكون الكردي. كما نص الاتفاق على أن تعمل اللجان التنفيذية على إنجازه قبل نهاية عام 2025.

لكن التنفيذ تعثر، وبقي الخلاف الأساسي متركزاً حول طبيعة دمج القوات: هل تدخل عناصر «قسد» في مؤسسات الدولة بصورة فردية وتحت قيادة مركزية، أم تحتفظ ببنية عسكرية جماعية وقيادة مستقلة؟

وتشير تحليلات صدرت في ذلك الوقت إلى أن دمشق كانت قد طالبت منذ مطلع 2025 بتفكيك البنية العسكرية لـ«قسد» وإدخال عناصرها في وزارة الدفاع بصورة فردية، بينما كان مظلوم عبدي قد رفض في البداية هذا الطرح.

يناير 2026: واشنطن تنتقل من الوساطة إلى الضغط على التنفيذ

وفي يناير/كانون الثاني 2026، دخل الملف مرحلة أكثر حساسية بعد اندلاع مواجهات بين القوات الحكومية و«قسد».

وفي 17 يناير/كانون الثاني 2026، عقدت في أربيل لقاءات رفيعة المستوى شارك فيها توم باراك ومظلوم عبدي وقيادات كردية، في إطار محاولة احتواء التصعيد وإنقاذ مسار الاتفاق. كما التقى باراك في اليوم نفسه رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، حيث أكدت واشنطن وأربيل علناً آنذاك أهمية الحوار والحلول السلمية.

وفي اليوم نفسه، استضاف مسعود بارزاني لقاءً جمع باراك وعبدي وقيادات كردية سورية، وتركزت المناقشات على وقف التصعيد ودفع المسار السياسي.

ثم جاءت الاتفاقات الجديدة في أواخر يناير، والتي وضعت إطاراً أكثر تفصيلاً لعملية الدمج. ونص الاتفاق على دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية، وتسليم مؤسسات الدولة والمعابر وحقول النفط والغاز، إضافة إلى دمج عناصر «قسد» في وزارتي الدفاع والداخلية بعد إجراءات التدقيق الأمني. كما نص صراحة على إخراج القيادات والعناصر غير السورية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني من الأراضي السورية.

وهذه النقطة الأخيرة تتقاطع بصورة لافتة مع المعلومات الجديدة التي حصل عليها «سيريا فوكس» بشأن العناصر غير السورية والقادمين من جبال قنديل، وإن كانت تفاصيل الممرات وآلية انتقال هؤلاء لم تُعلن رسمياً في المصادر المفتوحة التي راجعها «سيريا فوكس».

يونيو: باراك وعبدي مجدداً في أربيل

وفي 16 يونيو/حزيران 2026، استضاف رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني اجتماعاً جمعه مع توم باراك ومظلوم عبدي في أربيل.

وبحسب الرئاسة الرسمية لإقليم كردستان، تناول اللقاء الوضع السياسي والأمني في سوريا، والتعاون بين الكرد ودمشق، وسبل معالجة التحديات القائمة. كما أكد بارزاني أهمية الحوار والتفاهم وحماية حقوق الكرد والمكونات السورية.

وكانت تقارير في ذلك الوقت قد أوضحت أن المحادثات تركزت تحديداً على تنفيذ اتفاق يناير ودمج قوات «قسد» ومؤسسات الإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة السورية.

وبالتالي، فإن رواية المصدر لـ«سيريا فوكس» عن استخدام أربيل كقناة أساسية للضغط على «قسد» لا تأتي في فراغ؛ فقد تحولت أربيل خلال الأشهر الماضية إلى إحدى أهم ساحات الاتصالات الأميركية – الكردية – السورية المتعلقة بمستقبل «قسد».

أغسطس: بارزاني في دمشق

وجاءت الخطوة الأبرز في 3 أغسطس/آب 2026، عندما زار نيجيرفان بارزاني دمشق والتقى الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب، في أول زيارة من نوعها لرئيس إقليم كردستان العراق إلى سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد.

وأعلنت الرئاسة السورية أن اللقاء تناول العلاقات بين دمشق وأربيل، وتعزيز التعاون والتنسيق، ولا سيما اقتصادياً، إضافة إلى التطورات الإقليمية والقضايا ذات الاهتمام المشترك.

لكن توقيت الزيارة اكتسب أهمية سياسية أكبر من البيانات الرسمية، إذ جاءت في وقت كان فيه ملف دمج «قسد» يقترب من مرحلة الحسم. وأشارت تقارير صحفية في حينه إلى أن ملف «قسد» ودمج قواتها ومؤسساتها كان حاضراً في خلفية الزيارة، فيما تحدثت مصادر عن دور بارز لإقليم كردستان في دفع التسوية بين دمشق والقوى الكردية السورية.

كما أكد بارزاني عقب الزيارة ثقته بقدرة سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع على التقدم نحو الاستقرار والازدهار، وهو موقف يحمل دلالة سياسية في ظل حساسية العلاقة بين أربيل و«قسد».

إعلان عبدي: «مرحلة الدمج انتهت»

وفي تطور بالغ الأهمية، أعلن مظلوم عبدي في 21 أغسطس/آب أن مرحلة دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية الكردية في مؤسسات الدولة السورية «اكتملت وانتهت»، معلناً الانتقال إلى مرحلة جديدة تركز على تثبيت الحقوق الكردية في الدستور السوري.

ووفق تصريحات عبدي المنشورة، فإن الدمج تم بموجب الاتفاقات التي توصل إليها الطرفان خلال العام الجاري، بينما أشارت تقارير إلى أن عناصر مرتبطة بقسد قدمت من العراق وإيران وتركيا غادرت سوريا أيضاً.

وهنا تظهر إحدى أبرز النقاط التي تستحق المتابعة في معلومات مصدر «سيريا فوكس»: هل يمثل إعلان عبدي انتهاء عملية الدمج المدنية والعسكرية نهاية الملف، أم أن المرحلة التالية ستشهد استكمال تفكيك البنية التنظيمية والعسكرية المتبقية وإعادة توزيع العناصر التي لم تدخل فعلياً في مؤسسات الدولة؟

المعلومات التي نقلها المصدر تشير إلى الاحتمال الثاني.

أربيل من «وسيط» إلى «ضامن كردي» بلا دور عسكري

وبحسب المصدر، فإن آخر اتصال أميركي مع قيادة إقليم كردستان، والذي سبق زيارة نيجيرفان بارزاني إلى دمشق، حمل تشجيعاً أميركياً واضحاً على تسريع التقارب بين أربيل ودمشق.

ويقول المصدر إن واشنطن حثت الإقليم على الإسراع في تفكيك ما تبقى من «قسد»، مع الدفع باتجاه أن يؤدي إقليم كردستان دوراً يمكن وصفه بـ«الراعي الروحي» للكرد السوريين، ولكن من دون أن يتحول هذا الدور إلى التزام عسكري أو إلى مظلة سياسية تحافظ على كيان عسكري مستقل داخل سوريا.

وهذا الطرح يرسم معادلة جديدة لدور أربيل في الملف السوري:

حقوق كردية داخل الدولة السورية، مقابل إنهاء البنية العسكرية المستقلة لـ«قسد»؛ ودور ثقافي لإقليم كردستان، مقابل عدم إنشاء مظلة أمنية أو عسكرية كردية عابرة للحدود.

ماذا يعني ذلك لمستقبل «قسد»؟

المعلومات التي حصل عليها «سيريا فوكس» تشير إلى أن واشنطن باتت تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها مرحلة تنفيذ وليست مرحلة تفاوض.

فالاتفاق الذي وقع في مارس 2025 وضع مبدأ الدمج، واتفاقات يناير 2026 وضعت آليات أكثر تفصيلاً، واجتماعات أربيل في يناير ويونيو كرست الدور الأميركي والكردي العراقي في دفع العملية، بينما جاءت زيارة بارزاني إلى دمشق في أغسطس لتفتح قناة مباشرة بين أربيل ودمشق.

ثم جاء إعلان عبدي في 21 أغسطس عن انتهاء مرحلة الدمج.

وبناءً على ذلك، فإن الرواية التي نقلها المصدر لـ«سيريا فوكس» ترسم المرحلة المقبلة باعتبارها مرحلة تصفية ما تبقى من الهياكل العسكرية والتنظيمية الخارجة عن مؤسسات الدولة، مع معالجة ملف العناصر غير السورية بصورة منفصلة.

أما النقطة الأكثر حساسية، فهي أن المصدر يؤكد أن واشنطن لم تعد مستعدة لمنح «قسد» مساحة للمناورة تحت عنوان «الحماية الأميركية»، وأن أي محاولة للعودة إلى التفاوض على شروط جديدة قد لا تجد في واشنطن الاستجابة التي كانت تجدها سابقاً.

فحسب المصدر المطلع، فإن الرسالة الأميركية الجديدة إلى «قسد» يمكن اختصارها في ثلاث نقاط:

أولاً: لا عودة إلى نموذج القوة العسكرية المستقلة.

ثانياً: تنفيذ التفاهمات مع دمشق لم يعد موضوعاً قابلاً للتفاوض أو التأجيل من وجهة نظر واشنطن.

ثالثاً: إقليم كردستان العراق هو القناة التي يمكن أن تساعد في تأمين انتقال سياسي وآمن للكرد السوريين، وفي معالجة وضع العناصر غير السورية، لكنه لن يكون بديلاً عن الدولة السورية أو مظلة عسكرية لـ«قسد».

وبذلك قد يكون ملف «قسد» دخل فعلياً مرحلته الأخيرة: ليس عبر اتفاق جديد، وإنما عبر استكمال تنفيذ الاتفاقات السابقة وإنهاء ما تبقى من البنية المستقلة التي نشأت خلال سنوات الحرب.