تحولات الإعلام السوري: من قيود الترهيب إلى مسار المهنية

تحولات الإعلام السوري: من قيود الترهيب إلى مسار المهنية

يتقاطع اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين لعام 2026 مع مرحلة مفصلية في تاريخ الإعلام السوري، حيث يشهد المشهد الإعلامي المحلي تحولات جوهرية تهدف إلى الخروج من عباءة القيود الأمنية والترهيب التي فرضها النظام البائد لعقود طويلة. وتبرز هذه التحولات كجزء من عملية أوسع لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وتطوير أدائها المهني.

وفي هذا السياق، استعرض الخبير الدولي في التواصل والإعلام بول ماروديس تجربته المهنية الطويلة في سوريا، والتي بدأت عام 2003، حيث كان الصحفيون يواجهون بيئة أمنية خانقة. ويشير ماروديس إلى أن تلك الفترة اتسمت بتعقيدات إدارية وأمنية صارمة، حيث كان العمل الصحفي محفوفاً بالمخاطر والمراقبة المسبقة، مما دفع الكثيرين آنذاك إلى تجنب التعريف بهويتهم المهنية تحت وطأة الاعتقاد السائد بأن “كلمة صحفي نذير شؤم”.

ومع عودة ماروديس إلى دمشق في مرحلة ما بعد تحرير البلاد، ضمن برنامج أوروبي لتطوير الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)، لمس تبدلاً ملموساً في ديناميكيات العمل داخل غرف الأخبار. وأكد الخبير أن البيئة الحالية تشهد حيوية جديدة تتجلى في الاستعداد للنقاش، وتبادل الآراء، وتقبل النقد المهني، وهو ما يعد مؤشراً على بداية التحول نحو بيئة إعلامية أكثر انفتاحاً.

وأوضح ماروديس أن التحدي الأكبر الذي يواجه الإعلام السوري اليوم لا يقتصر على رفع القيود الأمنية فحسب، بل يمتد إلى تجاوز الآثار النفسية والسلوكية التي خلفتها عقود من الرقابة. فالرقابة الذاتية لا تزال تشكل عقبة أمام الصحفيين، ما يتطلب جهداً تراكمياً لترسيخ ممارسات مهنية تضمن حرية النقاش، واستقلالية القرار التحريري، والفصل الحقيقي بين الخبر والرأي.

ويصف ماروديس هذه المرحلة بأنها “معركة تحرير الخبر”، مشدداً على أنها مسؤولية جماعية تقع على عاتق الكوادر الإعلامية السورية كافة. إن الهدف هو بناء مؤسسات تضع المواطن في قلب اهتماماتها، وتحافظ على مسافة مهنية بين الصحفي والمسؤول، بعيداً عن الإملاءات.

وتكتسب هذه النقاشات أهمية خاصة في ظل سجل سوريا التاريخي في قضايا حرية الصحافة، حيث شهدت الفترة ما بين 2011 و2024 انتهاكات ممنهجة طالت الصحفيين، بما في ذلك القتل والاعتقال، كما حدث في قضية استهداف المركز الإعلامي في حمص عام 2012. ويؤكد الخبير أن إحياء اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب في سوريا ليس مجرد مناسبة رمزية، بل هو محطة حاسمة لتقييم الماضي والتأكيد على أن المساءلة هي الضمانة الوحيدة لإرساء قواعد إعلام حر ومستقل يحترم الحقيقة ويحمي الممارسين للمهنة.