الخط الديواني الجلي.. فن عثماني يتجدد في دمشق

الخط الديواني الجلي.. فن عثماني يتجدد في دمشق

يبرز الخط الديواني الجلي كأحد أبرز الفنون الخطية التي حافظت على مكانتها بفضل إبداع الخطاطين السوريين، حيث يمثل هذا الفن مزيجاً فريداً بين الانضباط الزخرفي والمرونة الجمالية. وتتجلى في هذا النوع من الخط حركة الحروف الانسيابية التي تتصاعد وتتقاطع في تكوينات مدروسة، تشبه في هيئتها زورقاً يمضي بين ضفتين، ما يمنح اللوحة الخطية توازناً بصرياً لافتاً.

تاريخياً، ارتبط الخط الديواني الجلي بالبيئة العثمانية، حيث كان الأداة الرسمية لكتابة الفرمانات والمراسلات السلطانية والوثائق ذات الأهمية البالغة. ومع مرور الزمن، انتقل هذا الخط من أروقة الدواوين الرسمية ليصبح فناً مستقلاً يزين اللوحات الفنية والمعارض. وتعود جذور نشأته وتطوره إلى أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر الهجري، حيث تُشير المراجع الفنية إلى أن ابتكار صورته الجلية يُنسب إلى شهلا باشا، أحد رجالات الفن في تلك الحقبة.

وفي السياق المعاصر، استطاعت المدرسة السورية في الخط العربي أن تضفي طابعاً متجدداً على هذا الفن، من خلال تطوير حركة الحروف وإطالة بعض الألفات، مع الحفاظ على الأصول والقواعد العامة التي تحكم التكوين. ويؤكد الخطاط عبد الناصر المصري، الذي يعد أحد أبرز الأسماء في هذا المجال، أن قيمة الديواني الجلي تكمن في قدرة الخطاط على الموازنة بين دقة القواعد وحرية الإبداع. وأوضح المصري أن الفارق الأساسي بين الديواني العادي والجلي يكمن في مرونة الأخير في التركيب، وكثافة الزخارف والنقاط المستديرة التي تملأ فراغات اللوحة، مما يخلق إيقاعاً متوازناً يتسم بالكثافة البصرية.

إن انحسار الوظيفة الإدارية للديواني الجلي في تركيا بعد تغيير الأبجدية عام 1928 لم ينهِ حضوره، بل كان دافعاً لانتشاره في مدارس الخط العربية. واليوم، يعيد الخطاطون السوريون صياغة هذا الإرث عبر محترفاتهم الخاصة، موصلين ذاكرة الدواوين القديمة بحساسية الفن الحديث، ليظل الخط العربي ميداناً خصباً للتعبير الجمالي. وتعد أعمال الخطاط عبد الناصر المصري، الحائز على جوائز مرموقة من مراكز عالمية وإقليمية كمركز إرسيكا وجائزة البردة، نموذجاً لهذا المسار الفني الذي يجمع بين أصالة التراث وحداثة الرؤية في كتابة المصحف الشريف واللوحات الفنية المعاصرة.