مصطفى نجار.. مسيرة نصف قرن في فن الخط العربي

مصطفى نجار.. مسيرة نصف قرن في فن الخط العربي

يمثل الخطاط السوري مصطفى محمد نجار قامة فنية بارزة في عالم الخط العربي، حيث تمتد تجربته المهنية والإبداعية لأكثر من نصف قرن، قضاها في التنقل بين مدن سورية، أبرزها حماة ودمشق، وصولاً إلى المدينة المنورة، جامعاً بين التتلمذ على كبار الخطاطين والممارسة المستمرة والبحث عن بصمة فنية خاصة.

بدأت علاقة نجار مع الحرف في مسقط رأسه بمدينة حماة، حيث كان الشغف المبكر دافعه لصناعة أدوات الكتابة البدائية من قصب الخشب وحتى ملاقط الغسيل، قبل أن ينتقل إلى دمشق ويصقل موهبته على يد نخبة من الأساتذة. ويشير نجار إلى الأثر العميق الذي تركه الخطاط الراحل عبد الرحمن الفاخوري في مسيرته، حيث كان توجيهه وتصحيحه لأعماله الجسر الذي عبر به من الهواية إلى التمكن الفني. كما كان للفنان جمال بوستان أثرٌ تحفيزي كبير، حيث اعتبره نجار نموذجاً سعى للتفوق عليه. وفي محطة مفصلية أخرى بدأت عام 1972، تتلمذ نجار على يد الخطاط الراحل محمود الهواري، حيث تعلم جوانب العمل التجاري وفنون الكتابة على النحاس واللوحات، ما أضاف أبعاداً جديدة لتجربته.

وعلى الرغم من إتقانه لمختلف أنواع الخطوط، إلا أن نجار يولي “خط التعليق” مكانة خاصة، متأثراً بالخطاط الراحل بدوي الديراني. وقد سعى نجار لتطوير أسلوبه الشخصي الذي أطلق عليه اسم “التعليق الدمشقي”، مؤكداً أن الخط العربي ليس مجرد قواعد، بل هو تعبير عن خصوصية الثقافة والبصمة الفنية لكل مجتمع. وقد توجت هذه المسيرة بالمشاركة في معارض دولية في الصين وألمانيا ودبي وإيرلندا والسعودية، وحصوله على المركز الأول في خط النستعليق خلال مسابقة نظمتها الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 2015.

وفي جانب آخر من مسيرته، خاض نجار مشروعاً ضخماً بكتابة القرآن الكريم بخط النسخ بدأه عام 2009، حيث أنجز نحو 570 صفحة قبل أن يضطر لمغادرة البلاد، مما أوقف مسار التدقيق والطباعة. ولا يقتصر إبداع نجار على الخط وحده، فقد جمع بينه وبين ممارسة رياضة كمال الأجسام، معتبراً أن الرياضة والفن يلتقيان في قيم الانضباط والدقة والتناسق والتركيز، وهي صفات جوهرية لأي خطاط.

ويرى نجار أن الخط العربي هو فن قائم بذاته يجمع بين العلم والدراسة والإحساس الروحي، محذراً من أن التطور الرقمي لا يمكن أن يكون بديلاً عن التعلم الأصيل والممارسة الميدانية. ويختصر نجار نصيحته للجيل الجديد بكلمتين: “العشق والصبر”، معتبراً أن الخط هو في نهاية المطاف شخصية الفنان التي تنعكس على الورق، مؤكداً أن الحرف العربي لا يزال يمتلك بريقه وجمهوره المتشوق له رغم كل التحديات.